على مشارف سهل البقيعة في الأغوار الشمالية، يقف المزارع أبو عاطف متأملاً أرضه التي تحولت أطرافها إلى تربة قاحلة متشققة، بعدما جف نبع المياه الذي اعتادت عائلته الاعتماد عليه لري بساتين الحمضيات والخضراوات لعقود خلت. هذه المشاهد لم تعد استثناءً فردياً، بل تحولت إلى ظاهرة متفاقمة ترصدها عدسات وباحثو «فلسطين 24» في مختلف أرجاء الضفة الغربية.
وفقاً للبيانات الرسمية وخرائط الأقمار الصناعية الهيدرولوجية التي جرى فحصها ومطابقتها مع خبراء معهد الأبحاث التطبيقية، فإن الحوض المائي الجبلي الذي يعتبر المورد المائي الأضخم في فلسطين التاريخية، يتعرض لعمليات ضخ جائر تتجاوز بكثير معدلات التغذية السنوية للأمطار. وتكشف المعطيات أن أكثر من 85% من مياه هذا الحوض يتم تحويلها لصالح المستوطنات والمشاريع الزراعية الكبرى المقامة على التلال المحيطة، بينما يُمنع المزارع الفلسطيني من تعميق آباره القائمة أو استخدام التقنيات الحديثة لحصاد مياه الأمطار.
وأكد خبير السياسات المائية الدكتور خليل البرغوثي لـ «فلسطين 24» أن هذا الاستنزاف الجائر أدى إلى هبوط حاد في مستوى المياه الجوفية في وادي القلط ومحيط أريحا بنحو 12 متراً في السنوات الخمس الأخيرة، ما قاد إلى جفاف ينابيع تاريخية كـ «عين سامية» و«العوجا»، تاركاً مئات العائلات الريفية في مواجهة مباشرة مع خيار الرحيل القسري عن أراضيهم لغياب مقومات الحياة الأساسية.
ويخلص التحقيق إلى أن أزمة المياه في فلسطين تجاوزت مفهوم الجفاف المناخي التقليدي، لتتحول إلى أداة سياسية واقتصادية ذات طابع استراتيجي تهدف إلى تفريغ المناطق المصنفة (ج) من سكانها الأصليين وإعادة رسم المشهد الديموغرافي والجغرافي بقوة الأمر الواقع، في ظل غياب أي التزام دولي باتفاقيات حماية الموارد المائية في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال.
